الشيخ محمد هادي معرفة

261

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وكذا في قصّة البقرة ، نراه يقصّ علينا قصّة طويلة مسهبة وغريبة على ما ذكره المفسّرون ويعقّبها بقوله : وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدّيّ وغيرهم ، فيها اختلاف ، والظاهر أنّها مأخوذة من كتب بني إسرائيل ، وهي ممّا يجوز نقلها ، ولكن لا تصدّق ولا تكذّب ، فلهذا لا يُعتمد عليها إلّا ما وافق الحقّ عندنا « 1 » . قوله : « وهي ممّا يجوز نقلها » هذا إنّما تبع في ذلك شيخه ابن تيميّة في تجويز الحديث عن بني إسرائيل ، ولكن من غير تكذيب ولا تصديق . وقد تكلّمنا في ذلك عند الكلام عن الإسرائيليّات ، وأنّه يجب نبذها وعدم نقلها ، ولا سيّما إذا كانت من الشائعات عندهم ، غير مثبتة في كتبهم ، والأكثر هو من هذا القبيل . وهكذا في تفسير سورة « ق » ، يذكر عن بعض السلف أنّه جبل محيط بالأرض ، ثمّ يعقّبه بقوله : وكأنّ هذا - واللّه أعلم - من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم ، ممّا لا يصدّق ولا يكذّب ، وعندي أنّ هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم ، يلبسون به على الناس أمر دينهم . كما افتري في هذه الامّة - مع جلالة قدر علمائها وحفّاظها وأئمّتها - أحاديث عن النبيّ وما بالعهد من قدم ، فكيف بأُمّة بني إسرائيل مع طول المدى وقلّة الحفّاظ النقّاد فيهم ، وشربهم للخمور ، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه ، وتبديل كتب اللّه وآياته . وإنّما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله : « حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج » فيما قد يجوّزه العقل ، فأمّا فيما تُحيله العقول ويحكم فيه بالبطلان ويغلب على الظنون كذبه ، فليس من هذا القبيل « 2 » . 21 . تفسير الثعالبيّ ( الجواهر الحسان ) هو أبو زيد عبد الرحمان بن محمّد بن مخلوف الثعالبيّ ، توفّي سنة ( 876 ه . ) . كان من الأئمّة الرحّالين في طلب العلم . وطار صيته بالفضل والزهد عن الدنيا . وأصبح آية في علم الحديث ، وخلّف كتبا كثيرا ألّفها على نمط أهل الحديث المكثرين .

--> ( 1 ) - . المصدر نفسه ، ص 108 - 110 . ( 2 ) - . المصدر نفسه ، ج 4 ، ص 221 .